السيد حيدر الآملي
62
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
وقوله تعالى في الحديث القدسي : « كنت سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله » ( 33 ) . إشارة إلى هذا ، ولهذا قال العارف : « ليس كلّ من سلك وصل ، ولا كلّ من وصل حصل ، ولا كلّ من حصل حصّل ، ولا كلّ من حصّل فصّل ، ولا كلّ من فصّل وصل ، ولا كلّ من وصل أوصل » ولبيان المناسبة قال أمير المؤمنين عليه السّلام : « أنّ للَّه تعالى شرابا لأوليائه إذا شربوا سكروا ، وإذا سكروا طربوا ، وإذا طربوا طابوا ، وإذا طابوا ذابوا ، وإذا ذابوا خلصوا ، وإذا خلصوا طلبوا ، وإذا طلبوا وجدوا ، وإذا وجدوا وصّلوا ، وإذا وصّلوا اتّصلوا ، وإذا اتصلوا لا فرق بينهم وبين حبيبهم » ( 34 ) .
--> ( 33 ) قوله : كنت سمعه سيأتي الكلام فيه في التعليق 66 فراجع . ( 34 ) قوله : أنّ للَّه تعالى شرابا لأوليائه . ذكر الخوانساري في « روضات الجنات » ج 3 ص 130 ، هذا الحديث نقلا عن « صحيفة الرضا » عليه السّلام وقال أيضا بعد نقله : « وفي بعض المواضع عن الصادق عليه السّلام بزيادة : « وإذا طربوا ، طلبوا ، وإذا طلبوا وجدوا ، وإذا وجدوا تابوا ، وإذا تابوا آبوا ، وإذا آبوا ذابوا ، وإذا ذابوا خلصوا « إلى آخره » . قال الآلوسي في تفسير الآية : * ( وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ) * [ الإنسان : 21 ] . ويحكى أنّه سئل أبو يزيد عن هذه الآية فقال : سقاهم شرابا طهّرهم به عن محبّة غيره ثمّ قال : ان للَّه تعالى شرابا ادّخره لأفاضل عباده يتولَّى سقيهم ايّاه ، فإذا شربوا طاشوا ، وإذا طاشوا طاروا ، وإذا طاروا وصلوا ، وإذا وصلوا فهم * ( فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) * [ القمر : 55 ] . انتهى لا بأس بالإشارة إلى بعض الروايات والكلمات الَّتي يعلم المقصود من الشراب والسقي والسكر والطهارة منها مزيدا للفائدة : قال عبد اللَّه الأنصاري في تفسيره « كشف الأسرار » في تفسير الآية المذكورة : « قال جعفر ( يعني جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام ) : يطهرهم به عن كلّ شيء سواه إذ لا طاهر من تدنّس بشيء من الأكوان » . لا يخفى ان ما نقله ناقص وامّا تمامه هو ما نقله أمين الإسلام الطبرسي في تفسير « مجمع البيان » في تفسير الآية المذكورة قال : « وقيل : « يطهّرهم عن كلّ شيء سوى اللَّه إذ لا طاهر من تدنّس بشيء من الأكوان إلَّا اللَّه » رووه عن جعفر بن محمّد عليه السّلام » . قال العلَّامة الطباطبائي في « الميزان » في تفسير الآية المذكورة ج 20 ص 130 : « قوله : * ( وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ) * أي بالغا في التطهير لا تدع قذارة إلَّا أزالها ، ومن القذارة قذارة الغفلة عن اللَّه سبحانه والاحتجاب عن التوجّه إليه فهم غير محجوبين عن ربهم ولذا كان لهم أن يحمدوا ربهم كما قال : * ( وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّه ِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) * [ يونس : 10 ] ، وقد تقدّم في تفسير الحمد : أنّ الحمد وصف لا يصلح له إلَّا المخلصون من عباد اللَّه تعالى لقوله : * ( سُبْحانَ اللَّه ِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّه ِ الْمُخْلَصِينَ ) * [ الصافات : 160 ] . وقد أسقط تعالى في قوله : « وسقاهم ربهم » الوسائط كلَّها ونسب سقيهم إلى نفسه ، وهذا أفضل ما ذكره اللَّه تعالى من النعيم الموهوب لهم في الجنّة » . روى المجلسي رحمه اللَّه في « البحار » ج 24 ص 266 الحديث 29 عن الحسن بن سليمان في كتاب « المختصر » باسناده عن أبي الورد عن الإمام الصادق عليه السّلام قال : « تسنيم أشرف شراب أهل الجنّة يشربه محمّد وآل محمّد صرفا ، ويمزج لأصحاب اليمين ولسائر أهل الجنّة » . المراد من التسنيم الذي جاء في سورة المطففين والذي هو شراب للمقربين ، والآيات هذه : * ( إِنَّ الأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الأَرائِكِ يَنْظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتامُه ُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ وَمِزاجُه ُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ) * [ المطففين : 23 - 28 ] . وروي الكليني في « روضة الكافي » ص 95 الحديث 69 باسناده عن محمّد بن إسحاق المدني عن الإمام الباقر عليه السّلام قال : إن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله سئل عن قول اللَّه وجلّ : * ( يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ) * [ مريم : 85 ] . فقال : يا علي إنّ الوفد لا يكونون إلَّا ركبانا أولئك رجال اتّقوا اللَّه فاحبّهم اللَّه واختصّهم ورضي أعمالهم فسمّاهم المتقين » . . . إلى أن قال : « وعلى باب الجنّة شجرة إنّ الورقة منها ليستظلّ تحتها ألف رجل من الناس ، وعن يمين الشجرة عين مطهّرة مزكّية ، قال : فيسقون منها شربة فيطهّر اللَّه بها قلوبهم من الحسد ويسقط من أبشارهم الشعر ، وذلك قول اللَّه عزّ وجلّ : * ( وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ) * . من تلك العين المطهّرة » . الحديث . وروى الشيخ الطوسي رحمهم اللَّه في « التهذيب » ج 1 ص 251 الحديث 9 في فضل المساجد باسناده عن عبد اللَّه بن يحيى الكاهلي عن الصادق عليه السّلام عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال ( في مسجد الكوفة ) : « في وسطه عين من دهن وعين من لبن وعين من ماء شراب للمؤمنين وعين من ماء طهر للمؤمنين » . الحديث . ذكر فخر الدين العراقي في « لمعات » ص 101 : كتب يحيى معاذ رازي إلى بايزيد : مست أز مى عشق آنچنانم كه اگر يك جرعه أز اين بيش خورم نيست شوم وكتب بايزيد في جوابه : شربت الحبّ كأسا بعد كأس فما نفد الشراب وما رويت قال الواسطي م 320 : « مقامات الواجدين أربعة : الذهول ثمّ الحيرة ، ثمّ السكر ، ثمّ الصحو ، كمن سمع بالبحر ثمّ دنا منه ، ثم دخل فيه ، ثمّ أخذته الأمواج » . مصباح الهداية ص 137 . قال ابن العربي في « الفتوحات » ج 12 ص 565 ط . ج وص 111 ح 2 ط ق : « ما شراب الحبّ ؟ الجواب : تجلّ متوسط بين تجلَّيين ، وهو التجلَّي الدائم الَّذي لا ينقطع وهو أعلى مقام يتجلَّى الحقّ فيه لعباده العارفين ، وقال : ما الكأس ؟ الجواب : القلب من المحبّ . . . فانّ القلب يتقلَّب من حال إلى حال ، كما أنّ اللَّه الَّذي هو المحبوب « كل يوم هو في شأن » فينوّع المحبّ في تعلَّق حبّه بتنوّع المحبوب في أفعاله . . . وشرابه ( أي الحبّ ) عين الحاصل في الكأس ، وقد بيّنا أنّ الكأس هو عين المظهر ، فالشراب عين الظاهر فيه ، والشراب ما يحصل من المتجلَّى للمتجلَّى له » .